بعد أن انهارت قوات نظام الأسد وألقت السلاح أمام تقدم عملية “ردع العدوان”، التي أطلقتها فصائل الثورة السورية المسلحة نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، واستولت المعارضة على السلطة في دمشق، حتى ازداد التركيز على تنظيم قسد، إذ تمّ انتزاع مواقع مهمة منه، أبرزها تل رفعت شمال حلب على الطريق الواصل بين تركيا ومدينة حلب، بالإضافة إلى منبج عقدة الوصل المهمة بين شمال سوريا وشرقها، ومدينة دير الزور، والتركيز حاليا على عين العرب (كوباني)، آخر المواقع التي يستحوذ عليها التنظيم في محافظة حلب، بالإضافة إلى مدينة الرقة.
هذه التحركات لم تلقى ترحيبًا لدى الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة لهذه الفصائل الكردية، فسارعت لوضع خطط تمكنها من كبح جماح الفصائل السورية المعارضة وتركيا، فهي تحاول الحفاظ على موقفها في سوريا، دون التخلي عن مصالحها في البلاد، والحيلولة دون سقوط حليفها الرئيسي والضامن لمشاريعها في المنطقة.
تهديدات جديدة
وبهذا الصدد أشار المحلل السياسي “وسيم الشامي” إلى أن أمريكا تعمل على دعم قوات سوريا الديمقراطية ورفع جاهزيتها القتالية من أجل إدخال سوريا في مسرح جديد من الاقتتال المسلح، وتحاول دفع الاطراف إلى هدنة ريثما ترمي بالعتاد والسلاح على قوات “قسد” وتعيد ترتيب صفوفها أمام التهديدات الجديدة.
وأضاف ” الشامي” أن واشنطن تسعى لتحصيل نتيجتين في سوريا، اولهما استمرار تواجد النفوذ الأمريكي في المنطقة، والاحتفاظ بالقواعد العسكرية في سوريا كرادع لإيران وتحركات ميليشياتها في المنطقة، وضمان أمن إسرائيل، ثانيًا منع السلطات السورية الجديدة من الوصول إلى مرحلة الإستقرار المرجوة، ومنع تركيا من الإنفراد بسوريا بكامل حدودها وثرواتها ومقدراتها، خصوصًا مع انتصار القوات المعارضة الموالية لأنقرة وإسقاطها لنظام الأسد.
تضارب المصالح
واوضح ” الشامي” أن تضارب المصالح والخلاف بين واشنطن وأنقرة قد ظهر إلى العلن مع الحديث عن الهدنة في الأيام القليلة الماضية حيث صرح مسؤول بوزارة الدفاع التركية، بعدم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار بين تركيا و”قسد”، على عكس إعلان أمريكي بشأن هذه المسألة.
وأضاف المحلل السياسي أن أنقرة ترى أن قوات “الجيش الوطني السوري” المدعومة من تركيا “ستحرر” المناطق التي يحتلها حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا.
هدنة بين الأتراك
وفيما تحاول واشنطن التوصل إلى هدنة بين الأتراك و”قسد” أشار مصدر أمريكي مقرب من وكالة الإستخبارات المركزية بأن وزارة الدفاع (البنتاغون) تريد خلال فترة الهدنة المرتقبة إستقدام المزيد من الجنود الأمريكيين الى الشمال السوري، بعدد ربما يصل الى العشرة آلاف عسكري.
وأرجع مراقبون هذه الخطوة لرغبة واشنطن بحماية مصالحها في الشمال السوري، خصوصاً في ظل التمسك التركي بالموقف المعادي للأكراد، وتطلعات أنقرة لإنشاء منطقة عازلة في سوريا بهدف القضاء على “قسد” وإستثمار الثروات الكبيرة من نفط وقمح وزراعات أخرى في المناطق التي تسيطر عليها.
يأتي هذا بعد تصريح مدوّي لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، بالأمس، بأن هناك 2000 جندي أمريكي في سوريا، وهو أكثر من ضعف العدد الذي تم الإعلان عنه سابقا. وبحسب المتحدث باسم الوزارة باتريك رايدر، فإن هناك في الواقع “حوالي 2000 جندي أمريكي في سوريا” زعم أنهم كانوا هناك منذ ما قبل سقوط نظام بشار الأسد.
وأضاف: “تعتبر هذه القوات الإضافية مؤقتة يتم نشرها لتلبية متطلبات المهمة المتغيرة، في حين أن القوات الأساسية البالغ عددها 900 جندي يتم نشرها على المدى الأطول”.
نحو سيناريو تصعيدي خطير
وتعليقًا على ما سبق أكد الباحث السياسي والاستراتيجي “وسيم الشامي”، أنه بات جليًا أن قوات المعارضة التي تعيش أفضل حالاتها بعد تمكنها من إسقاط نظام الأسد عسكريًا، تتجه نحو سيناريو تصعيدي خطير مع عزم أمريكا على دعم “قسد”، وإصرار تركيا على محاربة التنظيم، محذرًا من خطورة إنسياق فصائل المعارضة السورية المسلحة خلف المخطط التركي وإن كان الأتراك أول الداعمين لهم، بل عليهم التوصل الى صيغ تمنع سفك الدماء من جديد في سوريا، أو الحيلولة دون تقسيمها.
ونوّه الشامي إلى حقيقة تمتع السلطات السورية الجديدة بالحكمة، ومحاولتها اللعب على جميع الحبال وإرضاء جميع الأطراف بما يصب في صالح الشعب السوري، وهذا ما تترجمه تصريحات ولقاءات زعيم هيئة تحرير الشام، أحمد الشرع، الذي لم يرفض التقارب مع روسيا حتى.
وأشار المحلل السياسي إلى أنهم “غير مستعجلين على مغادرة روسيا الأراضي السوريا، وأن فيما بينهم علاقات استراتيجية قديمة، مؤكدًا أن القواعد الروسية ستبقى في سوريا”.
في بادرة حسن من موسكو
وبهذا الصدد نوّه الباحث السياسي والاستراتيجي ” الشامي”، إلى ضرورة استمرار هذا النهج الذي يحفظ توازن القوى في سوريا، ويمنع دولة معينة من الانفراد بصنع القرار، أو الهيمنة على سياسات السلطات الجديدة في دمشق، وأنه من الممكن الإستفادة من الوجود الروسي في سوريا لأنه يمكن أن يشكل رادعاً للمخططات الإسرائيلية والأمريكية على أقل تقدير.
وتابع “الشامي” أن موسكو قامت في بادرة حسن نية بسحب جميع قواتها التي كانت منتشرة في سوريا الى قاعدتيها العسكريتين على الساحل السوري، عقب سقوط نظام الأسد، فيما لاتزال واشنطن تسيطر على حقول وآبار النفط في الشمال الشرقي السوري، وتسعى إلى تعزيز تواجدها العسكري لمواجهة تركيا.
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك