تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى تنظيم أوضاع سوريا الداخلية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة من جديد. كما تهدف إلى تعزيز علاقاتها الخارجية على مبدأ الانفتاح والتعاون، والعمل على إخراج البلاد من العزلة، تمهيداً لمرحلة انتقالية شاملة، مما يعتبر ذلك بمثابة خارطة طريق لتحديد ملامح المستقبل السوري.
هذا وتواجه الإدارة السورية الجديدة العديد من التحديات المرتبطة بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا. حيث ربطت الحكومة الجديدة بدء مشروع إعادة الإعمار برفع هذه العقوبات، ودعت الإدارة إلى ضرورة إلغاء العقوبات الدولية. ومع ذلك، فإن الدول الغربية اشترطت رفع العقوبات عن سوريا بطرد الوجود الروسي من البلاد وإنهاء الاتفاق الذي يمنح موسكو الحق في استخدام قاعدتي طرطوس واللاذقية لأغراض لوجستية.
الأمر الذي يعد مستبعداً خصوصاً بعد تصريحات وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة لوكالة رويترز، خلال مقابلةٍ جرت في دمشق الشهر الماضي، حيث أكد التزام سوريا بالاتفاقيات المبرمة في الماضي، ومع ذلك، أشار إلى إمكانية إجراء بعض التعديلات على تلك الاتفاقيات من خلال المفاوضات، لتحقيق مصالح سوريا. ما يوضح أن الطرف السوري يرى أن بقاء القواعد الروسية في البلاد قد يعود بالنفع على سوريا وتبادل المصالح مع روسيا، إذ تحتاج الإدارة السورية الجديدة إلى الدعم الروسي في مجالات التسليح وبناء جيش جديد، بعد أن ألحقَت إسرائيل أضرارًا جسيمة بجميع مقدرات الجيش السوري عقب سقوط النظام السابق.
في هذا السياق، أفادت بعض المصادر المقربة من الحكومة السورية الجديدة بأن المفاوضات بين ممثلي الحكومة الروسية والإدارة السورية الجديدة بشأن مستقبل القواعد الروسية في سوريا لا تزال جارية. وأضافت المصادر أن سوريا تسعى لإقامة علاقة متوازنة مع جميع الأطراف، قائمة على المصالح المشتركة.
هذا وأكدت نفس المصادر تلقي الرئاسة السورية الجديد أحمد الشرع، قبل نحو أسبوع، اتصالاً هاتفياً من نظيره الروسي فلاديمير بوتين هنأه خلاله بتولي رئاسة الجمهورية في سوريا خلال المرحلة الانتقالية. كما تبادل الرئيسان وجهات النظر حول الوضع الراهن في سوريا وخريطة الطريق السياسية لبناء سوريا الجديدة، وذلك وفقاً لبيان الرئاسة السورية.
أكد الرئيس أحمد الشرع، خلال الاتصال الهاتفي، على العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين البلدين، مشدداً على انفتاح سوريا على جميع الأطراف بما يخدم مصالح الشعب السوري ويعزز الأمن والاستقرار في البلاد. من جانبه، أكد الرئيس الروسي دعم بلاده لوحدة الأراضي السورية وسيادتها واستقلالها، وأظهر استعداده لإعادة النظر في الاتفاقيات التي أبرمتها روسيا مع النظام السابق.
ووفقاً للبيان، شدد بوتين على ضرورة رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، ووجه دعوة رسمية إلى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، لزيارة روسيا. وأكد بوتين خلال الاتصال استعداد بلاده للمساهمة في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في سوريا، بما في ذلك تقديم المساعدات الإنسانية لسكانها. كما ناقش الجانبان “عدة قضايا ملحة تتعلق بالتعاون العملي في مجالات التجارة والاقتصاد والتعليم وغيرها”.
يأتي الاتصال الهاتفي بعد زيارة وفد روسي رفيع المستوى إلى سوريا في نهاية شهر يناير الماضي، وذلك لأول مرة منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد. وقد ضم الوفد نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف ومبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف. وقد أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارات إيجابية تعكس رغبة بلاده في إقامة علاقات مع الإدارة السورية الجديدة، مؤكداً أن الفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام التي أسقطت الأسد، قد تغيرت.
وأبدى الشرع رغبةً في تعزيز العلاقات مع روسيا، حيث أشار إلى أن روسيا تُعَدُّ ثاني أقوى دولة في العالم ولها أهمية كبيرة، كما شدد على أن لدمشق مصالح استراتيجية مع موسكو. وبين أن الإدارة الحالية لا تسعى إلى خروج روسيا بطريقة لا تتناسب مع العلاقات الطويلة التي تربط البلدين.
هذا وأكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أيضاً سعي روسيا لإقامة اتصالات رفيعة المستوى مع سوريا في القريب العاجل. كما وصف لافروف نتائج زيارة الوفد الروسي إلى سوريا بأنها “إيجابية”، مشيرًا إلى أن دمشق تُدرك السياق التاريخي للعلاقات مع موسكو.
تأتي تصريحات وزير الخارجية الروسي عقب المباحثات الأخيرة التي أجراها نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف مع السفير السوري في موسكو، بشار الجعفري، حول سبل تطوير العلاقات بين روسيا وسوريا. ووفقًا لبيان وزارة الخارجية الروسية، وجرى خلال اللقاء مناقشة القضايا الملحة المتعلقة بالتطور التدريجي للعلاقات التقليدية والودية بين البلدين، بما في ذلك نتائج الاتصالات الأخيرة بين موسكو ودمشق على مختلف المستويات.
أكد بوغدانوف أن سوريا تمر اليوم بفترة عصيبة، وأعرب عن أمله في أن يتمكن شعبها من تجاوز هذا التحديات بنجاح. وشدّد على أن روسيا جاهزة لمواصلة تقديم الدعم اللازم للسوريين. كما أكد بوغدانوف أن موسكو “كانت ولا تزال تدعم سيادة ووحدة وسلامة أراضي سوريا”.
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك