يرى خبراء سياسيون أن سوريا لاتزال تعيش حالة من انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي، والذي يظهر من خلال تحركات احتجاجية متكررة، وتعثر الاتفاقيات السياسية، وتصاعد الاحتقان الطائفي والمناطقي.
ويقول الخبراء بأن تلك الاوضاع قد ازدادت تعقيداً بعد التصعيد الميداني الأخير في منطقة حلب وريفها، ولا سيما بعد الاشتباكات التي وقعت في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بين قوات “قسد” والجيش السوري.
ومن أرض الميدان فقد تصاعدت التطورات في ريف حلب الشمالي، إذ باشر الجيش السوري استهداف مواقع لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في دير حافر، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان “هيئة العمليات في الجيش” عن اعتبار المنطقة الممتدة شرق مدينة حلب وصولاً إلى نهر الفرات “منطقة عسكرية مغلقة”.
وبحسب الخبراء فإن هذه التحركات تأتي في ظل تبادل الطرفين الاتهامات لشهورٍ بإفشال الجهود الرامية إلى تنفيذ الاتفاق المبرم بينهما، والذي كان من المقرر إنجازه بنهاية عام 2025، ونص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في هيكل الدولة السورية.
وتشير المعلومات إلى أن المعركة المتوقعة قد تكون أوسع نطاقاً من الاشتباكات السابقة في الشيخ مقصود والأشرفية، حيث من المحتمل أن تمتد إلى مناطق دير حافر ومسكنة والقواص والبابيري، بالإضافة إلى محيط سد تشرين. كما قد تشمل العمليات منطقتي مطاري كويرس والجراح، مما يعكس الثقل العسكري للطرفين في هذه الجغرافيا المفتوحة، ويظهر أن بؤر التوتر لم تعد محصورة في محور واحد.
وفي سياق متصل يرى مراقبون أن مؤشرات الميدان جميعها تشير إلى أن سوريا تتجه بخطى ثابتة، نحو هاوية حرب أوسع، إذ يختلط السخط الشعبي المتصاعد مع العجز المزمن في إيجاد مخارج سياسية. وقد بلغ الاحتقان الطائفي والاجتماعي حداً ينذر بالخطر، خاصة في ظل عجز الإدارة السورية الحالية عن تقديم حلول فعلية تستجيب لمطالب المكونات الأساسية للمجتمع السوري.
فالشعور بالتهميش وافتقاد العدالة ينتشر بين مكونات رئيسية كالدروز في السويداء والعلويين في المناطق الساحلية والأكراد في شمال البلاد وشرقها، محولاً السخط المجتمعي إلى مادة قابلة للاشتعال بأي لحظة. وما يفاقم هذا المشهد الخطير هو استمرار التعامل الأمني مع المطالب بعيداً عن الحلول السياسية، الأمر الذي لا يهدد باستدامة حالة اللاإستقرار فحسب، بل ويجعل من الصراع المسلح في المناطق ذات التركيبة السكانية الحساسة سيناريو شبه مؤكد، في غياب تام لأي رؤية توافقية حقيقية تستطيع جمع السوريين على مائدة حوار واحدة.
في خضم التحديات المتشابكة التي تواجه سوريا، يطفو مجدداً على السطح النقاش حول النظام الفيدرالي اللامركزي كخيار حكم يطرح من قبل مؤيديه باعتباره الأكثر انسجاماً مع الواقع المعقد للبلاد. يستند هذا الطرح إلى الرغبة في تجاوز إشكاليات الحكم المركزي المفرط الذي طبع عقوداً من الزمن، والذي غالباً ما تمسكت به السلطة الحاكمة تحت حجة الحفاظ على الوحدة الوطنية ومجابهة مخاطر التقسيم.
غير أن جوهر الفيدرالية بعيد كل البعد عن التقسيم، فهو نظام لإدارة السلطة يهدف إلى استيعاب التنوع الواسع داخل الدولة دون المساس بوحدتها. ومحاولة لتحويل بنية الحكم من هرمية صارمة إلى شبكة مرنة تتوزع فيها الصلاحيات والمسؤوليات.
وبالنظر إلى الحالة السورية، يتضح أن النظم المركزية التي حكمت البلاد شكلت علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع، علاقة عمودية أحادية الاتجاه لا تتيح للمناطق والمكونات المتنوعة الشعور بمشاركتها الحقيقية في صنع القرار المصيري. في هذا السياق، تظهر الفيدرالية كمقترح واقعي لإعادة توزيع السلطة، وصيغة توافقية تجمع بين الانتماء الوطني والهوية المحلية، حيث يشعر كل مكون بأنه جزء لا يتجزأ من الكل دون إلغاء لخصوصيته.
في المقابل، تصور الفيدرالية من قبل معارضيها على أنها خطر على الوحدة الوطنية ومدخل للتقسيم وأداة بيد قوى خارجية. إلا أن جوهر المخاوف الحقيقية لا يكمن في النظام الفيدرالي بذاته، بل في كونه يعني إعادة توزيع جذرية للسلطة والثروة والمساءلة، مما يقطع الطريق على احتكار القرار. فالجهات التي استفادت تاريخياً من المركزية المفرطة ترى في أي نموذج لامركزي تهديداً مباشراً لنفوذها وامتيازاتها، لأنه ينقل جزءاً من السيطرة إلى المجتمعات المحلية التي طالما حُرمت من حق المشاركة. ويُساهم في تعزيز هذا الخطاب التحذيري العديد من الأصوات الإعلامية والاقتصادية التي ارتبطت مصالحها باستمرار بنية السلطة المركزية الثابتة. فبالنسبة لهذه الأطراف، لا تمثل الفيدرالية نموذج حكم بديل فحسب، بل هي نهاية لعصر من الامتيازات المُطلقة.
يرى المتابعون للشأن السوري أن النقاش الدائر حول الفيدرالية لا يدور حول حل فني جاهز فحسب، بل يتعلق بشكل الدولة ومستقبلها. فالسؤال الجوهري المطروح هو: هل ستستمر سوريا كنموذج مركزي صارم يحاول إدارة مجتمع شديد التنوع بنمط أحادي، أم ستتحول إلى دولة تعاقدية تشاركية، تقاسم فيها المسؤوليات وتوزع فيها السلطات بين مستويات حكم مختلفة، مما يمكن كل مكون ومجتمع محلي من الشعور بتمثيل حقيقي ومشاركة مباشرة في تقرير مصيره وإدارة شؤونه اليومية؟ لا تقدم الفيدرالية نفسها كحل سحري، ولكنها تظل أداة مؤسسية مجربة أثبتت جدواها في عدد من الدول التي واجهت تحديات مشابهة في إدارة التنوع.
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك