تحققت المعجزة وانتصرت المعارضة السورية بعد طول الإنتظار والصبر الكبير على نظام الأسد المجرم، وشكّل الثامن من ديسمبر تحولاً مفصلياً بسقوط النظام الدموي في العاصمة السورية دمشق على يد إدارة العمليات العسكرية. وإبتهج السوريون جميعهم بزوال حقبة مليئة بالمعاناة والدماء والألم عاشوها لأكثر من خمسين عاماً.
إن زوال نظام الأسد وما تبعه من تشكيل حكومة مؤقتة لتصريف الأعمال وقرارات القائد العام لإدارة العمليات العسكرية أحمد الشرع الملقب بأبو محمد الجولاني بعدم المساس بممتلكات الدولة السورية الحرة وعدم التعرض للمواطنين مهما كانت طوائفهم ومذاهبهم أشرح قلب السوريين جميعهم وجعلهم يحتفلون لأيام بهذا الإنتصار العظيم.
وأصدرت إدارة العمليات العسكرية للمعارضة السورية المسلحة، عقب سقوط النظام المجرم بياناً، جاء فيه: “بعد 50 عاما من القهر تحت حكم البعث، و13 عاما من الإجرام والطغيان والتهجير، وبعد كفاح ونضال طويل ومواجهة كافة أشكال قوى الاحتلال، نعلن اليوم في 8-12-2024 نهاية هذه الحقبة المظلمة وبداية عهد جديد لسوريا”.
وفعلاً دخلت فصائل المعارضة المسلحة وعلى رأسها هيئة تحرير الشام المصنفة إرهابية الى المناطق المحررة دون أن تمس بالمدنيين أو بمؤسسات الدولة، وهو ما أكدته عدسات الكاميرات والمراسلون والصحفيون. كما قامت بتحرير المعتقلين من قبل نظام المخلوع من السجون الرهيبة ذات السمعة السيئة، فيما بكت العائلات فرحا في جميع أنحاء سوريا، بلم شملها بعد اختفاء أفراد منها لسنوات.
ورغم هذا، مازال الكثير من المراقبين يحذرون من أن الفترة القادمة ستحمل العديد من التحديات، ويجب إدارتها بحكمة من أجل الوصول بسوريا والسوريين إلى بر الأمان. حيث تحاول بعض الأطراف الداخلية والإقليمية زرع الفتنة والإقتتال بين أبناء الشعب الواحد لإشعال الفوضى وركوبها لمصالح شخصية أو لمكاسب سياسية.
فقد رددت بعض الحسابات في وسائل التواصل الإجتماعي شائعات عن اغتيال علماء نوويين واستهداف مقاتلي المعارضة السورية للأقليات وعناصر الجيش السوري السابق. كما نُشرت العديد من الصور ومقاطع الفيديو على الإنترنت، خاصة على موقع إكس (تويتر سابقًا) وتيك توك، تتهم قوات المعارضة بتصفية عناصر من الجيش السوري واستهداف الأقليات العلوية والكردية والمسيحية.
ويعدّ التوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري واستهداف القواعد العسكرية للجيش السوري، استغلالاً منه لحالة الفراغ التي أحدثها انهيار نظام الأسد، أحد أبرز المحاور في سياق خطة ممنهجة لتشويه المعارضة السورية وتخويف السوريين مما هو قادم، ومحاولة خلق فجوة كبيرة بين فصائل المعارضة والحاضنة الشعبية التي كانت ضلعها الأبرز نحو إسقاط نظام الأسد.
كما أن توسعة الإحتلال الإسرائيلي للمنطقة العازلة في الجولان، وخرق الاتفاقيات الأممية الموقعة عام 1974، هو محاولة لإفشال الثورة وإجهاض فرحة السوريين، وتعزيز الانقسام ودعم مقوماته، وهو ما بات واضحًا بعد فتح اتصالات سياسية إسرائيلية مع الانفصاليين الأكراد في شرق سوريا.
ولمواجهة هذا، يؤكد المراقبون على ضرورة استعادة الأمن الداخلي وتشغيل مؤسسات الدولة، وتثبيت أركان الدولة وضمان وحدتها وطمأنة الشارع السوري من قبل القيادة الحالية. كما أن إعادة بناء الجيش السوري على عقيدة وطنية خالصة، يكون ولاؤه للشعب وليس للنظام، سيؤهّله فيما بعد لمواجهة كافة التحديات المحتملة مع الجانب الإسرائيلي وبقية الحدود.
كما أنه من شأن روسيا، في حال التحاور والإتفاق معها أن تلعب دورًا إيجابياً من خلال قاعدتيها العسكريتين على الساحل السوري، في ردع الاحتلال الإسرائيلي عن اقتطاع أجزاء من سوريا، وإحياء الجيش السوري بشكله الجديد، خصوصاً بعد أن دمّرت طائرات الإحتلال ما تبقى من مقدرات جيش نظام الأسد السابق، والتي كان من المفترض بها أن تنتقل تلقائيًا إلى عهدة إدارة العمليات العسكرية.
من جهة أخرى، وبحسب المراقبين، فإن الفائز الأكبر حتى الآن في سوريا هو تركيا. فقد كانت القوات التركية تسيطر على محافظة إدلب في شمال غرب سوريا منذ سنوات، ولولا الدعم والتعاون التركي، لما استطاعت هيئة تحرير الشام الصمود والنجاح ببناء كيان منظّم ومسلّح جيداً ينتظر ليتولى زمام الدولة، مما يعطيها ميزات كبيرة في عملية بناء سوريا الجديدة وقرارها السيادي.
حيث ارتفعت أسهم شركات البناء في تركيا بشكل حاد بعد سقوط نظام الأسد، بحسب وكالة “بلومبرج”. كما ارتفعت أسهم شركات الحديد والصلب والإسمنت التركية، بنسبة تقارب 10 في المائة. كما أن الإقتصاد التركي يتجه إلى التحسن بشكل كبير مع الإعلان عن إعادة اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم.
وقد سبق وأن وصل وفد تركي-قطري إلى العاصمة السورية دمشق، للقاء أحمد الشرع القائد العام لإدارة العمليات العسكرية ومحمد البشير، رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال، من أجل تطوير رؤى مستقبلية للواقع السوري، ودفع القيادة السورية الجديدة للانخراط في البيئة العربية والإقليمية والدولية، وهو أول وفد رسمي يزور سوريا منذ الإطاحة بنظام الأسد.
الزيارة أتت تزامناً مع إستقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في أنقرة، لبحث آخر التطورات في سوريا، معلناً أن بلاده “ستتخذ إجراءات احترازية” في سوريا من أجل “أمنها القومي”، وذلك بعدما شهدت الأيام الأخيرة اشتباكات بين قوات كردية تدعمها الولايات المتحدة (قسد)، وفصائل مسلحة منضوية تحت إدارة العمليات العسكرية تدعمها تركيا.
وبحسب المراقبين فإن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا تتضارب بشكل ملحوظ عندما يتعلق الأمر بـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي يقودها الأكراد. وهو ما يشكل تحدياً إضافياً للقيادة الجديدة في سوريا، مما يحتّم عليها إقامة التوازن بين القوى المؤثرة في سوريا والمتشابكة في الملف السوري، ومحاولة الحصول على دعم متوازٍ من جميع الأطراف وليس من طرف بعينه.
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك