لم تعد حوادث الطيران العسكري الأمريكي خلال عام 2026 مجرد وقائع منفصلة، بعدما تزامنت حوادث عدة مع ظهور مشكلة فنية في مروحيات «أباتشي»، وتقرير حكومي كشف إخفاق منشأة عسكرية حديثة في إنتاج أجزاء للذخائر رغم إنفاق مئات ملايين الدولارات عليها.
وتضع هذه التطورات المؤسسة العسكرية الأمريكية أمام تحديات تتعلق بالسلامة والصيانة والإنتاج، في وقت تحاول فيه واشنطن الحفاظ على تفوق صناعتها الدفاعية وتلبية احتياجات جيشها وشركائها حول العالم.
خمسة حوادث من الفئة الأعلى
أبرز ما يلفت الانتباه هو أداء أسطول مروحيات «AH-64 أباتشي» خلال السنة المالية 2026.
فحتى 15 أغسطس، سجل الجيش الأمريكي خمسة حوادث من الفئة «A» مرتبطة بهذا الطراز، فيما وصل معدل الحوادث الرئيسية إلى نحو 6.24 حادث لكل 100 ألف ساعة طيران.
ولا يعني ذلك أن كل حادث كان ناتجا عن سبب واحد، إذ تشير بيانات السلامة الأمريكية إلى أن العوامل البشرية لا تزال حاضرة في جزء من الحوادث، في حين ظهرت خلال العام الحالي مؤشرات على وجود مشكلات ميكانيكية تستدعي التحقيق.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أن «أباتشي» تعد واحدة من أهم المروحيات الهجومية في الجيش الأمريكي، كما تستخدمها مجموعة واسعة من الدول الحليفة للولايات المتحدة.
مشكلة تقنية تقلق الجيش
من أكثر الملفات حساسية مشكلة ناقل الحركة في طائرات AH-64E.
ووفقا لوثائق سلامة داخلية نقلتها وسائل إعلام أمريكية، يمكن أن يؤدي عطل معين في ناقل الحركة إلى فقدان وظائف مرتبطة بدوار الذيل والطاقة الكهربائية والأنظمة الهيدروليكية، الأمر الذي قد يؤثر بصورة خطيرة على قدرة الطائرة على التحكم والمناورة.
وأشارت تقارير إلى أن الجيش حدد في البداية 70 ناقل حركة يحتمل وجود خلل فيها، ثم أضاف 10 أخرى إلى قائمة القيود في يوليو، فيما بقي السبب الجذري للمشكلة قيد التحقيق.
وفي أعقاب تحطم أباتشي قرب فورت هود في 12 أغسطس ومقتل جنديين، أوقف الجيش الأمريكي تدريبات الطيران على هذا الطراز بصورة مؤقتة، قبل أن يستأنفها في 19 أغسطس بعد مراجعة إجراءات السلامة.
بلاك هوك أيضا أمام تحقيق
بعد أيام فقط، تعرضت مروحية MH-60 بلاك هوك لحادث خلال تدريب قرب دنفر في كولورادو.
وكانت المروحية تقل أربعة جنود من وحدة العمليات الخاصة، وانتهى الحادث دون إصابات، فيما بقيت أسبابه غير معلنة بانتظار انتهاء التحقيق العسكري.
وهنا تبدو أهمية الفصل بين الحوادث المؤكدة والأسباب المفترضة: فوجود حادث جديد لبلاك هوك لا يعني أن الطائرة تعاني من العطل نفسه الموجود في أباتشي، ولا توجد حتى الآن نتائج تحقيق تسمح بالقول إن السبب كان فنيا.
اختبار آخر للصناعة الدفاعية
في موازاة ملف الطيران، ظهرت مشكلة مختلفة في قطاع الذخائر.
ففي تكساس، أنفق الجيش الأمريكي 469 مليون دولار على منشأة لإنتاج أجزاء معدنية لقذائف 155 ملم، إلا أن تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع أظهر أن المصنع لم يتمكن، حتى مارس 2026، من إنتاج أجزاء مطابقة للمواصفات.
وكانت المنشأة مصممة لإضافة نحو 30 ألف جزء شهريا إلى الإنتاج الأمريكي، بينما بلغ إنتاج الجيش الإجمالي من قذائف 155 ملم نحو 36 ألف قذيفة شهريا في مارس، مقابل هدف يبلغ 100 ألف قذيفة.
وبحسب التقرير، ارتبطت المشكلة أيضا باختيار معدات إنتاج لم تكن مثبتة قدرتها على تحقيق المواصفات المطلوبة، في محاولة لتسريع عملية بناء القدرة الإنتاجية.
ماذا يعني ذلك للحلفاء؟
لا يمكن بناء استنتاج مباشر بأن الولايات المتحدة تبيع «أسلحة معطوبة» لحلفائها، كما لا توجد في المصادر التي راجعتها أدلة كافية تثبت وجود استراتيجية رسمية لهذا الغرض.
لكن هناك مسألة أخرى أكثر واقعية: اعتماد عدد كبير من الدول على المعدات العسكرية الأمريكية يجعل أي مشكلات تتعلق بقطع الغيار أو الصيانة أو تحديث الطائرات ذات انعكاس محتمل على مستخدمي هذه المنظومات خارج الولايات المتحدة.
وتستخدم دول عديدة طائرات ومروحيات أمريكية، بينها أباتشي وبلاك هوك وF-16، ما يجعل جاهزية منظومات الدعم والصيانة والإمداد جزءا أساسيا من العلاقة العسكرية بين واشنطن وشركائها.
وبينما تواصل الولايات المتحدة التحقيق في حوادث أباتشي وبلاك هوك، وتعمل على معالجة مشكلة ناقل الحركة، تواجه في الوقت نفسه اختبارات في مجال الإنتاج العسكري.
المشهد الحالي لا يكفي للقول إن الصناعة العسكرية الأمريكية «انهارت» أو أن جميع أسلحتها تعاني من عيوب، لكنه يكشف عن نقاط ضعف حقيقية تستحق المتابعة، خصوصا عندما تتزامن مشكلات الطيران مع صعوبات في توسيع إنتاج الذخائر.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت حادثة جديدة ستقع، بل مدى سرعة المؤسسة العسكرية الأمريكية في تحديد أسباب المشكلات ومعالجتها قبل أن تتحول إلى عبء أكبر على الجيش الأمريكي وعلى الدول التي تعتمد على منظوماته.
ملاحظة: ما يكتب في هذا القسم يعبّر عن رأي الكاتب فقط وليس بالضرورة رأي “ستوري برس”
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك